رحيل داكار وثمن الرياضة السعودية الحقيقي
انتقلت سباقة، لكن السؤال الأعمق يبقى: هل يمكن لاستراتيجية رياضية أُسِّست بوصفها تأميناً جيوسياسياً أن تصبح رهينةً لذلك الجيوسياسي بعينه؟

تخيّل شهر يناير. برد الصحراء، وكثبانها الرملية، وآلاف الكيلومترات من المسارات. سائق شاحنة — ربما برتغالي، ربما فرنسي، ربما أرجنتيني — رسم في ذهنه منذ سنوات مسار رالي داكار العابر للمملكة العربية السعودية. قدّم طلبه. حصل على موافقة راعيه. والآن، ببيان واحد نُشر صباح الأحد، مُحيَ ذلك المسار. ستكون 'دولة مختلفة' هي الوطن الجديد. لكن أين؟ لا أحد يعلم بعد.
جاء البيان المشترك لـ Amaury Sport Organisation وشركة السعودية للسيارات والدراجات النارية موجزاً، بل شبه مُعقَّم: ستُقام سباقة 2027 في مكان آخر بسبب 'التطورات الأخيرة في المنطقة'. يحتاجون إلى بضعة أيام إضافية للإعلان عن الموقع. وبحسب ما نقلته وسائل الإعلام الرياضية المتخصصة، تأتي المغرب وإسبانيا ضمن الخيارات المطروحة. وإن اختيرت المغرب، فسيعني ذلك عودة داكار إلى إفريقيا للمرة الأولى منذ عام 2007 — نوع من العودة الحنينية. لكنها ليست عودة خطط لها أحد.
كانت المملكة العربية السعودية تستضيف هذه السباقة منذ عام 2020. على مدار خمس سنوات، رُسمت مسارات صحراوية، وأُقيمت بنية تحتية، ونُظّمت جداول زمنية. وكانت تخطيطات احتفالية كبرى مُعدّة للذكرى الخمسين عام 2028. أما الآن، فهذا الهدف الاحتفالي يبقى حبراً على ورق؛ إذ يؤكد المنظمون أنهم 'يخططون' للعودة عام 2028. هذا إعلان نية، لا التزام.
في قراءتي، هذا ليس مجرد إشكال لوجستي لسباقة واحدة. إنه اختبار لاستراتيجية.
طوّرت المملكة العربية السعودية علاقتها بالرياضة منذ أمد بعيد لا باعتبارها شأناً ترفيهياً عادياً، بل بوصفها أداةً جيوسياسية. سباقات الفورمولا 1، وبطولات الغولف، وفعاليات الملاكمة، وبطولات التنس، وصفقات انتقال اللاعبين — كل ذلك كان جزءاً من مشروع متكامل الحلقات. كانت الرسالة واضحة: المملكة لا تُصدِّر النفط فحسب، بل تُدير الرياضة العالمية أيضاً. كانت هذه الاستراتيجية تقول: حين يُفرش هذا الطاولة، تتراجع الملفات الأخرى إلى الخلفية.
غير أن ثمة ضغطاً مختلفاً يتراكم فوق الرياض الآن.
الهجمات على مطار الملك خالد الدولي — هجمات الحوثيين هذا الشهر التي أودت بحياة 18 شخصاً وأصابت مئات — لم تزعزع الحياة اليومية وحسب، بل قلبت أيضاً حسابات الجدوى العملية للفعاليات الدولية. لكي تُقام فعالية رياضية على أرض المملكة، يُشترط توافر أمن المنشآت، وهو شرط بات أمراً لا تستطيع المملكة ضمانه منفردةً. ووجد المنظمون أنفسهم مضطرين لمواجهة هذه الحقيقة.
داكار ليست وحدها في هذه الصورة. أُلغيت جائزة جدة الكبرى للفورمولا 1 هذا العام. وأُلغيت جائزة البحرين أولاً، ثم أُعيد تنظيمها في ماليزيا. وأُلغي نهائي المملكة العربية السعودية لبطولة العالم للراليات. وتأجّل البطولة الاستعراضية في التنس التي كان من المقرر أن يشارك فيها نوفاك ديوكوفيتش وكارلوس الكاراز وألكسندر زفيريف إلى نهاية ديسمبر. وانتقلت نهائيات WTA من الرياض إلى إنديان ويلز. بدأ التقويم يتفرّغ، فعالية تلو الأخرى.
اسأل نفسك: هل لهذا الفراغ ثمن؟
نعم. لكن لحساب هذا الثمن، لا بد أن نفكر أولاً في الفرد.
لنفترض أن شخصاً ما في شمال الرياض — سائق محلي، أو منسق، أو بائع تذاكر — أقام خلال السنوات الخمس الماضية بنيةً لوجستية مرتبطة بتنظيم داكار على الأرض السعودية. بالنسبة لهؤلاء، انتقال داكار 2027 ليس بيانات جيوسياسية مجردة، بل خسارة دخل ملموسة. مهما عظُم المسرح، ثمة دائماً إنسان بعينه لن يستطيع مشاهدة العرض في مكانه.
إذا ارتفعنا إلى مستوى المدينة: استثمرت الرياض في السنوات الأخيرة في بنيتها التحتية الداخلية مدفوعةً بالزخم الاقتصادي الذي أحدثه السياحة الرياضية. الحجوزات الفندقية، وممرات النقل، وأماكن الفعاليات — لم تُخطَّط لسباقة واحدة، بل لتراكم ثروة تصنعها سلسلة من الفعاليات. كل إلغاء هو عملية تُذيب ذلك التراكم.
على المستوى الوطني، تصبح الصورة أكثر تعقيداً. تؤثر هجمات الحوثيين مباشرةً على صادرات النفط الخام والبنية التحتية للطيران والشراكات التجارية الدولية. تحتل المملكة مكانة أكبر مصدّر للنفط الخام في العالم، والتقلبات الاقتصادية متشابكة مع هذه الحقيقة. قد تبدو الفعاليات الرياضية صغيرة كبند دخل في هذا المشهد، لكن حين تُحتسب بوصفها 'استثماراً في الصورة'، يثقل وزنها كثيراً.
أما على صعيد الاستراتيجية بأسرها — فهنا يواجه المشروع مفارقته الذاتية.
توظيف الرياضة بمثابة مانعة صواعق جيوسياسية، أي القول 'انظروا إلينا، نحن نقدم لكم الترفيه'، استراتيجيةٌ لا تنجح إلا طالما كان المسرح صالحاً للعب. فإذا محا الأزمة الجيوسياسية ذاتُها ذلك المسرح، فقد الأداة جدواها. والأهم من ذلك أن كل فعالية مؤجَّلة ترسّخ في الأذهان سؤالاً: 'هل المملكة العربية السعودية مضيف موثوق؟' وحين يتجذّر هذا السؤال، فإن خطة عودة داكار المقررة لعام 2028 ستُضطر هي الأخرى إلى الإجابة عنه.
يوفر لقاء محمد بن سلمان هذا الأسبوع مع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس سياقاً لافتاً — تداول الزعيمان العلاقات الثنائية و'الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن الإقليمي' وأوجه التعاون في مجالات شتى. والشراكة التقنية في إطار مشروع كابل الغواصة EMC ماضية في مسارها. ويبدو أن الحركة الدبلوماسية لم تهدأ. غير أن حين تقف الفجوات في التقويم الرياضي جنباً إلى جنب مع هذا النشاط الدبلوماسي، تظهر مشهدية مغايرة: العلاقات على صعيد النخب السياسية متواصلة، لكن قرارات المنظمين تهمس بحقيقة مختلفة.
الخيار المغربي مثير للاهتمام لأنه ذو دلالة تاريخية. داكار سباقة وُلدت في إفريقيا. اضطرت عام 2008 إلى مغادرة شمال إفريقيا بسبب مخاوف أمنية، فانتقلت إلى أمريكا الجنوبية، ثم إلى المملكة العربية السعودية. فإن عادت عام 2027 إلى المغرب، تكون تلك الرحلة قد رسمت دائرة كاملة — في داخلها أزمتا أمن منفصلتان. القصة متناظرة.
لكن ثمة ما ينبغي الإشارة إليه: إعلان المنظمين صراحةً نيتهم العودة إلى المملكة العربية السعودية عام 2028 يعني أن هذا ليس قطيعةً، بل مرحلة انتقالية. 'توقف مؤقت'. تبدو العلاقة القانونية بين Amaury Sport Organisation وشركة السعودية للسيارات والدراجات النارية سارية المفعول، وإلا لما جرى الحديث عن خطط 2028.
فهل هذا 'التوقف المؤقت' عابر فعلاً؟
في قراءتي، تتوقف الإجابة كلياً على كيفية تشكّل المشهد العسكري على الجبهة الحوثية-السعودية خلال الأشهر الأربعة عشر المقبلة. إن تحقق قدر من الاستقرار النسبي بحلول يناير 2028، فقد تعود داكار في ذكراها الخمسين إلى الرياض على موجة تعاطف عارمة — ربما بعرض أكثر بهاءً من ذي قبل. وإن استمرت الهجمات، فقد يُؤجَّل مخطط 2028 هو الآخر ببيان جديد.
الرياضة تُمارَس حين يسود السلام. هذه جملة بسيطة كجملة، ومعقدة كاستراتيجية.
أخيراً، أفكّر في ذلك المنسق الذي رسم مسارات الصحراء — حين يمحو أسبوع يناير من تقويمه ويضع مكانه علامة استفهام — لم يتخذ قراراً يغيّر العالم. لكن ذلك المحو كان اللحظة التي هبطت فيها قرارات تُتَّخذ على بُعد آلاف الكيلومترات إلى أرض الواقع. هكذا ينزل النظام إلى الشارع: فوق علامة استفهام.